في تحول عسكري استراتيجي غير مسبوق تشهده ساحات القتال اليمنية منذ اندلاع النزاع المسلح في أواخر عام 2014، أعلن الجيش اليمني رسمياً عن بدء عمليات قتالية جوية واسعة النطاق تستهدف مواقع وتمركزات قوات الحوثي. ويمثل هذا التطور النوعي نقطة تحول مفصلية في طبيعة العمليات العسكرية، إذ ينتقل الجيش لأول مرة من استراتيجية الدفاع وحرب التموضع إلى الهجوم الجوي المباشر، مستهدفاً شل قدرات الخصم العسكرية وكسر احتكاره للتفوق الجوي والنوعي في سماء المعركة، وهو ما يُنتظر أن يعيد رسم الخريطة الميدانية برمتها خلال الفترة المقبلة.
السياق التاريخي والجيوسياسي: نحو كسر الجمود العسكري
يعود الصراع المحتدم في اليمن إلى الانقلاب المسلح الذي قادته جماعة الحوثي في أواخر عام 2014 وسيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء ومؤسسات الدولة الحيوية، مدعومة بشبكة معقدة من التحالفات والدعم اللوجستي الإقليمي. على مدار سنوات الحرب الطويلة، عانى الجيش الوطني من غياب سلاح جوي فاعل ومستقل قادر على حسم المعارك أو تقديم الإسناد الناري الكافي للقوات البرية، مما خلق حالة من الجمود العسكري وأطاح بالعديد من فرص التسوية السياسية. إن إدخال القوة الجوية إلى معادلة الصراع اليوم لا يمثل مجرد عملية عسكرية عابرة، بل هو تتويج لجهود مضنية استمرت لسنوات في إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية على أسس حديثة تضمن استعادة السيادة الوطنية وفرض معادلات ردع جديدة على الأرض.
تفاصيل العملية الجوية الدقيقة: أهداف نوعية وتوقيت محسوب
بحسب المصادر العسكرية الميدانية، انطلقت العملية الجوية في ساعات الصباح الأولى، وهو توقيت استراتيجي مدروس بدقة لتقليل احتمالات سقوط ضحايا مدنيين وتفادي أي أخطار جانبية، مع ضمان تحقيق أعلى درجات المفاجأة التكتيكية. وقد تركزت الضربات الجوية المركزة على أهداف عسكرية حيوية تابعة لجماعة الحوثي في محافظة إب الوسطى، التي تمثل عقدة مواصلات وإمداد رئيسية للحوثيين. وشملت بنك الأهداف المدمر:
- تدمير منصات إطلاق صواريخ موجهة باليستية ومجنحة كانت تستخدم لاستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية.
- استهداف مخازن استراتيجية للأسلحة والذخائر والعتاد العسكري الثقيل.
- تحييد مراكز قيادة وتوجيه وقتل عناصر قيادية ميدانية كانت تخطط لهجمات جديدة.
- استخدام تشكيلات متطورة من المقاتلات الحربية، من أبرزها طائرات MiG-29 المطورة ومقصفات مدمرة قادرة على تنفيذ مهام جراحية دقيقة.
ردود الفعل الرسمية والمجتمعية وموقف جماعة الحوثي
أثارت الخطوة ردود فعل واسعة النطاق على المستويين المحلي والإقليمي. فعلى الصعيد الرسمي، عقدت القيادة العليا للجيش اليمني مؤتمراً صحفياً أكدت فيه اعتزازها البالغ بهذا الإنجاز التاريخي، مشددة على أن «القدرة الجوية أصبحت الآن جزءاً أساسياً من استراتيجيتنا الدفاعية والهجومية، ولن نتردد في استخدامها لحماية المواطنين وتحرير كل شبر من تراب الوطن». في المقابل، سادت حالة من الارتباك والتخبط في صفوف جماعة الحوثي، التي أصدرت بيانات شجب واستنكار حادة، منتقدة العملية وواعدة بـ«رد قاسي ومماثل» في العمق الاستراتيجي، وهو ما يعكس حجم الضرر الكبير الذي أحدثته هذه الضربات في البنية التحتية العسكرية للحوثيين.
التحليلات الاستراتيجية وتوقعات السيناريوهات المستقبلية
يجمع الخبراء العسكريون والاستراتيجيون على أن دخول الطيران الحربي على خط المواجهة سيعيد صياغة موازين القوى برمتها في اليمن. لم يعد بمقدور قوات الحوثي التحرك بحرية أو حشد تعزيزات عسكرية ضخمة دون خشية من الاستهداف الجوي الفوري. ومن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة تصعيداً عسكرياً متسارعاً يرافقها تدفق متزايد للدعم اللوجستي والتدريبي من الدول الحليفة للشرعية اليمنية، بهدف تعزيز الجاهزية القتالية لسلاح الجو اليمني وتوسيع نطاق العمليات ليشمل كافة الجبهات. وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، يبقى الرهان معقوداً على قدرة المؤسسة العسكرية على استثمار هذا التفوق الجديد لفرض حل عسكري يحسم المعركة أو يجبر الطرف الآخر على الجلوس بجدية على طاولة المفاوضات السياسية من موقع ضعف.