عاد محور باب المندب ومحافظة تعز إلى واجهة المشهد العسكري في اليمن، بعدما أفادت تقارير إخبارية، من بينها «سكاي نيوز عربية»، بوقوع معارك في نطاق المضيق البحري الاستراتيجي وتطورات ميدانية متلاحقة في تعز، صباح الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وتندرج هذه التطورات في سياق مشهد يمني منقسم منذ سنوات بين مناطق نفوذ لجماعة الحوثي وأخرى تديرها الحكومة المعترف بها دوليًا وقوات محلية متحالفة معها، ما يمنح أي تحرك في هذين الموقعين بالذات ثقلًا يتجاوز الجغرافيا المحلية إلى حسابات الملاحة الدولية وأمن أحد أهم ممرات التجارة العالمية. ومع غياب بيانات رسمية مفصلة حتى اللحظة عن حجم المواجهات أو أطرافها المباشرين، يبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام جولة محدودة من الاشتباكات، أم أمام إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك على الساحل الغربي والمرتفعات الوسطى؟
باب المندب: لماذا يشتعل هذا الشريط الساحلي الصغير؟
لا تكمن أهمية باب المندب في مساحته، بل في موقعه. فهو المضيق الذي يفصل الساحل اليمني عن جيبوتي وإريتريا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتتوسطه جزيرة ميون (بريم) التي تحولت عبر العقود إلى نقطة مراقبة عسكرية بامتياز. ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو ثلاثين كيلومترًا، وهو رقم يجعله واحدًا من أضيق المعابر البحرية في العالم وأكثرها حساسية أمنيًا.
تاريخيًا، لم يكن باب المندب يومًا ممرًا محليًا؛ فمنذ افتتاح قناة السويس تحوّل إلى بوابة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا، ويمر عبره جزء معتبر من حركة ناقلات الطاقة والحاويات. ولهذا السبب تحديدًا، صار الساحل اليمني الغربي خلال العقد الأخير ساحة تنافس عسكري بين قوى محلية وإقليمية، وظهرت على امتداده جبهات مثل المخا وذو باب ومحيط الجزيرة، التي ظلت تشهد مدًا وجزرًا من المواجهات المتقطعة.
ومنذ أواخر عام 2023، دخل المضيق مرحلة جديدة حين تحولت مياهه المحيطة إلى مسرح لهجمات على سفن تجارية، ما دفع دولًا غربية إلى تشكيل تحالفات بحرية لحماية الملاحة، وأعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول من يملك فعليًا مفتاح هذا المعبر، ومن يتحمل كلفة أي اضطراب فيه.
تعز.. الجبهة التي لا تهدأ: ما الذي يجعلها مفتاح المعادلة؟
تعز ليست محافظة عادية في الجغرافيا اليمنية؛ فهي ثالث أكبر مدن البلاد سكانيًا، وتقع على المرتفعات الجنوبية في منتصف الطريق بين صنعاء وعدن، وهو موقع يمنح من يسيطر على تخومها قدرة على التأثير في أي حركة بين العاصمتين السياسية والاقتصادية. ومنذ عام 2015، عاشت المدينة على وقع حصار فعلي وعمليات عسكرية متقطعة، تحولت معها الأحياء إلى خطوط تماس، وتوزعت السيطرة بين قوات محلية وحكومية من جهة، والحوثيين من جهة أخرى.
وما يميز تعز عن بقية الجبهات أنها لا تُقاس بالكيلومترات المفتوحة أو المفقودة، بل بالطرق والمنافذ والمرتفعات؛ فالمدينة محاصرة جغرافيًا من معظم الاتجاهات، ويظل فتح ممر آمن إليها أو الإشراف على المرتفعات المطلة عليها مكسبًا استراتيجيًا أكبر بكثير من حجم الأرض نفسها. ولهذا فإن أي تطور عسكري في هذه المحافظة يُقرأ عادةً على أنه رسالة عن توازن القوى أكثر من كونه معركة حاسمة.
الوقائع والأرقام: ما الذي تقوله الجغرافيا عن هذين الموقعين؟
- الموقع: يقع باب المندب عند التقاء البحر الأحمر بخليج عدن، وتقابله سواحل جيبوتي وإريتريا، ما يجعله نقطة تلامس بين ثلاث دول وممرًا لا بديل قريب له في المنطقة.
- الاتساع: لا يتجاوز عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو ثلاثين كيلومترًا، وهو ما يفسر حساسيته الأمنية؛ فأي تهديد فيه ينعكس فورًا على جداول شركات الشحن وأسعار التأمين على السفن.
- الوزن التجاري: يشكّل هذا المعبر مع قناة السويس أحد أهم شرايين التجارة بين آسيا وأوروبا، ويمر عبره جزء كبير من ناقلات الطاقة والحاويات، ما يمنح أي اشتباك فيه صدى اقتصاديًا عالميًا.
- الجغرافيا الجبلية لتعز: تقع المحافظة على مرتفعات يتجاوز ارتفاع بعضها ألفي متر، وهي طبيعة تضيّق حركة المدرعات وترجّح كفة القوات المتمركزة في المواقع العالية على أي تقدم واسع.
- البعد الإنساني: يعيش في تعز ملايين المدنيين الذين ظلوا سنوات تحت وطأة الحصار والاشتباكات، ما يجعل أي تصعيد فيها ملفًا إنسانيًا قبل أن يكون عسكريًا.
من يربح ومن يخسر؟ قراءة في حسابات الأطراف
في أي مواجهة على الساحل الغربي أو في المرتفعات الوسطى، لا تُقاس المكاسب بالمساحة وحدها. بالنسبة لجماعة الحوثي، فإن أي حضور عسكري قريب من باب المندب يمنحها ورقة ضغط مزدوجة: ورقة داخلية في مواجهة خصومها المحليين، وورقة خارجية في أي تفاوض يتعلق بالملاحة البحرية وترتيبات التهدئة الإقليمية. أما الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها على الساحل الغربي، فإن الحفاظ على مواقعها في محيط المضيق يمثل خط دفاع أول عن الشرعية والمنافذ البحرية، وأي تراجع فيه يُقرأ كخسارة استراتيجية تتجاوز الحدث العسكري نفسه.
أما القوى الإقليمية والدولية، فحساباتها تبدأ من نقطة واحدة: استقرار حركة الملاحة. فكل تصعيد قريب من المضيق يرفع كلفة التأمين على السفن، ويدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو خيار مكلف يضيف أيامًا وأموالًا إلى رحلات التجارة العالمية. ولهذا فإن أي معارك في هذا النطاق تُترجم سريعًا إلى بيانات وتحذيرات ملاحية، حتى لو بقيت محدودة ميدانيًا.
وماذا بعد؟ السيناريوهات المطروحة وأثرها على اليمنيين
السيناريو الأول هو الأرجح حتى الآن: استمرار المواجهات على شكل جولات متقطعة تُستخدم فيها الجبهات كورقة ضغط في مسارات التفاوض والتهدئة، دون تغيير جذري في خطوط السيطرة. والسيناريو الثاني هو تصعيد أوسع على الساحل الغربي يعيد خلط الأوراق في محيط المضيق ويستدعي ردود فعل بحرية دولية. أما الثالث، فهو تهدئة جزئية تُبنى على تفاهمات غير معلنة تُجمّد الجبهات مقابل ضمانات تتعلق بالملاحة.
وبالنسبة للقارئ اليمني والعربي، فإن المعادلة الأهم ليست من يسيطر على تلة أو ممر، بل ما يعنيه ذلك في حياته اليومية:
- على المستوى المعيشي: أي تصعيد قريب من الموانئ والطرق يرفع أسعار الوقود والنقل والغذاء، ويزيد الضغط على سلاسل إمداد هشة أصلًا.
- على مستوى الملاحة: تحوّل مسارات السفن يعني تأخير البضائع وارتفاع كلفة التأمين، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع المستوردة.
- على مستوى الحل السياسي: كل جولة تصعيد تُبعد فرص التهدئة الشاملة، وتُعيد ترتيب أولويات الوسطاء الدوليين والإقليميين.
ويبقى الحكم النهائي على هذه التطورات معلقًا على ما ستكشفه الساعات المقبلة من بيانات رسمية؛ فحتى اللحظة، لا تتوافر تفاصيل موثقة عن حجم المواجهات أو خسائرها، وهو ما يجعل الترقب هو السمة الغالبة للمشهد.
أسئلة شائعة
- أين وقعت المعارك الأخيرة في اليمن؟ أشارت التقارير إلى معارك في نطاق مضيق باب المندب، إلى جانب تطورات عسكرية في محافظة تعز جنوب غربي البلاد.
- ما أهمية باب المندب استراتيجيًا؟ هو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية، ما يجعله نقطة حساسة لأمن الملاحة الدولية.
- لماذا تُعد تعز جبهة دائمة التوتر؟ لأنها ثالث أكبر مدن اليمن وتقع بين صنعاء وعدن على مرتفعات جبلية، وتوزعت السيطرة فيها منذ سنوات بين أطراف متصارعة مع حصار فعلي على أحيائها.
- هل هناك بيانات رسمية عن نتائج المواجهات؟ لم تُعلن حتى الآن بيانات رسمية مفصلة عن حجم الاشتباكات أو الخسائر، ويبقى المشهد قيد التطور.