قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن جماعة أنصار الله (الحوثيين) «تتصرف بشكل سيئ للغاية»، واتهمها بمحاولة رفع أسعار النفط عمداً في توقيت يسبق الانتخابات، قبل أن يكشف عن خيار لافت قد يلجأ إليه وهو طلب تدخل تركيا في اليمن. وجاءت هذه التصريحات الثلاثاء لتضع الملف اليمني مرة أخرى في قلب المشهد السياسي الإقليمي، بعد أشهر من الهدوء النسبي في مسار المواجهة.
أخبار ذات صلة قد تهمك
ولم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي حدثاً منفرداً، إذ تزامنت مع إعلان مجلس الوزراء السعودي، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أن جماعة أنصار الله «ستواجه عواقب اعتداءاتها» على مطارات المملكة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والمنشآت المدنية والاقتصادية، في إشارة إلى أن الرياض تعدّ الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات.
ماذا قال ترمب بالحرف؟ خريطة تصريحاته عن اليمن
لم ترد تصريحات الرئيس الأمريكي في سياق واحد مقتضب، بل حملت سلسلة من الرسائل المتشابكة التي تستحق التفكيك عنصراً عنصراً، لأن كل واحدة منها تعني شيئاً مختلفاً في حسابات الأطراف المعنية:
- اتهام مباشر بالتحكم في أسعار الطاقة: رأى ترمب أن الهجمات الحوثية على السعودية نُفذت «بأسلوب خبيث للغاية»، وأن دافعها ليس عسكرياً بحتاً بل محاولة مقصودة لدفع أسعار النفط إلى الارتفاع قبل موعد الانتخابات، وهو اتهام يربط بين ساحة القتال اليمنية وبين ملف اقتصادي حساس داخل الولايات المتحدة.
- محادثة مع محمد بن سلمان: أكد ترمب أنه أجرى اتصالاً مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ما يعني أن التنسيق الأمريكي - السعودي بشأن اليمن لم ينقطع، وأن الرياض ما زالت تضع واشنطن في صورة تطورات الملف الأمني على حدودها الجنوبية.
- خيار تركيا: أعلن الرئيس الأمريكي أنه قد يطلب من تركيا التدخل في اليمن، وهو طرح غير مألوف في التعاطي الأمريكي مع الملف اليمني، إذ لم تكن أنقرة يوماً طرفاً فاعلاً عسكرياً في هذا الملف.
- «الدرس» و«التحريض الإيراني»: قال ترمب إنه كان يعتقد أن الحوثيين تعلموا الدرس بعد قصفهم قبل عام، وإنه أوقف الهجمات بناء على طلبهم، مشيراً إلى أنهم التزموا الصمت فترة طويلة قبل أن يعاودوا الظهور، ومرجحاً أن يكون ذلك بتحريض من إيران.
لماذا الآن تحديداً؟ قراءة في التوقيت والدلالات
توقيت هذه التصريحات ليس عابراً. فمن جهة، يأتي الحديث عن «رفع أسعار النفط قبل الانتخابات» في ظل اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، وهو استحقاق يجعل أي ارتفاع في أسعار الوقود ملفاً داخلياً حارقاً في الولايات المتحدة، لا مجرد تطور في سوق الطاقة العالمية. ومن جهة ثانية، يضع البيان السعودي الصادر عن مجلس الوزراء الخطوط العريضة لمرحلة جديدة عنوانها أن الاعتداءات على المطارات والمنشآت لن تمر دون حساب.
واللافت أن الخطاب الأمريكي هنا لم يعد يتعامل مع الحوثيين كملف إنساني أو أزمة داخلية يمنية، بل كفاعل قادر على التأثير في أسواق الطاقة العالمية وفي معادلات الأمن الإقليمي، وهذا التحول في التصنيف هو ما يمهّد منطقياً لطرح خيارات غير تقليدية مثل البحث عن وسطاء جدد أو أطراف تدخل بديلة.
من صعدة إلى البحر الأحمر: كيف وصل الملف إلى هذه النقطة؟
لفهم خلفية التصريحات، لا بد من العودة إلى مسار الصراع نفسه. فمنذ سيطرت جماعة أنصار الله على العاصمة صنعاء في 2014، تشكّل تحالف عربي بقيادة السعودية في 2015 لاستعادة الشرعية، وتحوّل الصراع اليمني إلى أحد أطول النزاعات الإقليمية المفتوحة، مع امتداداته المتكررة نحو العمق السعودي عبر الصواريخ والطيران المسيّر.
وقد شهد الملف محطات مفصلية عديدة، أبرزها استهداف منشآت أرامكو السعودية عام 2019 في هجوم أعاد خلط حسابات أسواق النفط العالمية، ثم تصاعد هجمات البحر الأحمر وتهديد حركة الملاحة الدولية، وما تبعه من ضربات أمريكية - بريطانية على مواقع الجماعة. وعلى الرغم من هدنة أُعلنت في 2022 وخفّفت حدة القتال، فإن ملف الهجمات لم يُغلق نهائياً، وهو ما يفسر حديث ترمب عن «صمت طويل» سبق عودة التصعيد، وعن قصف وقع «قبل عام» دفع واشنطن إلى وقف هجماتها بناء على طلب من الجماعة.
تركيا في المعادلة اليمنية: ما الذي تعنيه دعوة ترمب؟
طرح الرئيس الأمريكي فكرة طلب تدخل تركيا يفتح باباً من التساؤلات أكثر مما يقدم إجابات. فأنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها حضور عسكري في محيط المنطقة، لكنها لم تكن يوماً لاعباً ميدانياً في اليمن، رغم انضمامها السياسي إلى التحالف العربي في 2015 دون مشاركة قتالية فعلية في العمليات البرية.
وتعقيد الطرح يزداد بالنظر إلى شبكة علاقات تركيا الإقليمية: فهي تحتفظ بقنوات تواصل مع طهران، وتربطها مصالح اقتصادية وأمنية متشابكة مع دول الخليج، ولها حضور عسكري في قواعد خارج أراضيها. أي خطوة تركية نحو اليمن - إن حدثت - ستعني تحولاً في توازنات النفوذ الإقليمية، وليس مجرد إضافة طرف عسكري جديد إلى المعادلة. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل هي ورقة ضغط يلوّح بها ترمب، أم مقدمة لترتيب إقليمي مختلف؟
ملفان متوازيان: إيران وأوكرانيا في التصريحات ذاتها
لم تقتصر تصريحات ترمب على اليمن، بل جاءت ضمن حزمة أوسع تكشف أولويات الإدارة الأمريكية الحالية، ويمكن إيجاز أبرز أرقامها والتزاماتها على النحو التالي:
- إيران: وصف ترمب طهران بأنها «دولة فاشلة» بلا بحرية ولا سلاح جو، وقال إن معدل التضخم لديها بلغ 301% وإنها لا تدفع رواتب جنودها، كاشفاً عن قرار مرتقب بشأنها «قريباً جداً»، ومؤكداً أن قراراته لا تتأثر بانتخابات التجديد النصفي.
- الأسطول الإيراني: أعلن ترمب أن 159 سفينة إيرانية «ترقد في قاع البحر»، وإن إيران لم تعد تملك أسطولاً بحرياً أو قوة جوية أو دفاعات مضادة للطائرات.
- أوكرانيا وروسيا: أكد استمرار المساعدات الاستخبارية الأمريكية لكييف، ورجّح أن الاتفاق المرتقب سيكون «من أجل العالم وليس للولايات المتحدة» وسيؤدي إلى ضخ مزيد من النفط عالمياً.
- الديزل الروسي: بعد مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أعلن ترمب أن موسكو ستضخ فوراً أكثر من 300 ألف طن من الديزل إلى السوق الأمريكية والعالمية، تتبعها 500 ألف طن في نوفمبر، ثم مليون طن إضافي في ديسمبر.
هذه الأرقام مجتمعة - من التضخم الإيراني إلى شحنات الديزل الروسية - تشير إلى أن واشنطن تربط بين ملفات الطاقة والحروب الإقليمية في إطار واحد، وأن أي تطور في اليمن سيُقرأ من زاوية أثره على أسعار الوقود قبل أي اعتبار آخر.
وماذا بعد؟ ما الذي يترقبه اليمنيون والأسواق
الرسالة الأهم التي تخرج من هذه التصريحات هي أن الملف اليمني لم يعد ملفاً مجمّداً. فالتحذير السعودي بعواقب الاعتداءات، والاتهام الأمريكي المباشر بمحاولة التأثير في أسعار النفط، وطرح خيار تدخل طرف ثالث، كلها مؤشرات على أن مرحلة الضبط النسبي قد تنتهي إلى تصعيد جديد إن لم تتغير المعادلة الميدانية.
أما على مستوى القارئ العادي، فالأثر الأكثر مباشرة يظهر في أسعار الطاقة والنقل والشحن البحري، وهي ملفات تتأثر فوراً بأي توتر في البحر الأحمر أو في المنشآت النفطية. ومع إعلان ترمب عن قرار مرتقب بشأن إيران، فإن الأسابيع المقبلة قد تحمل تحولات سريعة في خرائط النفوذ الإقليمي، ويبقى اليمن في مركزها لا على هامشها.
أسئلة شائعة
- ماذا قال دونالد ترمب عن الحوثيين؟ قال إنهم «يتصرفون بشكل سيئ للغاية»، واتهمهم بمحاولة رفع أسعار النفط عمداً قبل الانتخابات، ومرجّحاً أن عودتهم للتصعيد جاءت بتحريض إيراني.
- هل طلب ترمب فعلاً من تركيا التدخل في اليمن؟ لم يعلن عن طلب رسمي، بل قال إنه «قد يطلب» من تركيا التدخل، وهو طرح ما زال في حدود الاحتمال لا القرار المنفذ.
- ما موقف السعودية من هجمات الحوثيين؟ أعلن مجلس الوزراء السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان أن الجماعة ستواجه عواقب اعتداءاتها على المطارات ومكة المكرمة والمدينة المنورة والمنشآت المدنية والاقتصادية.
- هل تؤثر هذه التصريحات على أسعار النفط؟ الربط الذي أقامه ترمب بين الهجمات وأسعار الطاقة يجعل السوق أكثر حساسية لأي تصعيد في البحر الأحمر أو في المنشآت النفطية خلال الفترة المقبلة.