شهدت ملاعب كرة القدم الإنجليزية إحدى أكبر المفاجآت التكتيكية والتاريخية في مسابقة كأس الرابطة الإنجليزية على مدار تاريخها الممتد لنحو 66 عاماً، عقب نجاح نادي فليتوود تاون، القابع في دوري الدرجة الرابعة الإنجليزي، في إقصاء عملاق العاصمة أرسنال بطل الدوري الممتاز من البطولة عبر ركلات الترجيح الدراماتيكية، لينتزع بطاقة العبور في مباراة حبست أنفاس المتابعين حتى لحظاتها الأخيرة وفق ما أوردته شبكة ⚽ سكاي نيوز - أخبار الرياضة العالمية.
ولم تكن النتيجة مجرد عبور عابر في أدوار التصفيات، بل تمثلت في زلزال كروي استيقظت عليه الجماهير الرياضية في بريطانيا، بالنظر إلى الفجوة الهائلة التي تفصل بين الناديين على كافة المستويات، حيث تفصل بينهما أكثر من 80 مرتبة في سلم ترتيب الهرم الكروي الإنجليزي، مما جعل التغلب على كتيبة مدرب أرسنال الإسباني ميكيل أرتيتا حدثاً استثنائياً يتجاوز حدود الحسابات الرقمية والمنطقية المتعارف عليها في عالم المستطيل الأخضر.
الفجوة المالية بين العمالقة والفقراء.. أرقام تقلب التوقعات
وتتجلى عظَمة هذه الملحمة الكروية عند المقارنة المباشرة بين القيمة السوقية والإمكانيات المادية لكلا الفريقين؛ إذ تتجاوز القيمة المالية لتشكيلة نادي أرسنال المدججة بالنجوم الدوليين حاجز 1.6 مليار دولار، وهو النادي الذي هيمن على الألقاب المحلية ووصل لنهائي دوري أبطال أوروبا تحت قيادة أرتيتا. وفي المقابل، لا تتعدى القيمة الإجمالية للاعبي فليتوود تاون مبلغ 3 ملايين دولار، وهو رقم زهيد جداً لا يغطي حتى الراتب الشهري لبعض نجوم الصف الأول في النادي اللندني.
ورغم أن الجهاز الفني للنادي اللندني عمد إلى تدوير التشكيلة وإراحة بعض الأسماء الرئيسية، إلا أنه دفع بعناصر ذات خبرة عالية وقدرات فنية فارقة. لكن الإصرار التكتيكي والانضباط الدفاعي العالي الذي أظهره فليتوود تاون على أرضه جعل المواجهة حافلة بالندية الشديدة، ليدفع المباراة نحو مرحلة ركلات الترجيح الحاسمة التي ابتسمت في النهاية لأصحاب الأرض، مؤكدة أن الروح القتالية قادرة على تقليص الفوارق الشاسعة في الميزانيات.
مصادفة الملعب التاريخي وخصوصية البلدة الساحلية
ومن المفارقات المثيرة للدهشة في هذه المواجهة التاريخية أن نادي فليتوود تاون يخوض مبارياته على ملعبه الذي يحمل اسم "هايبري"، وهو الاسم ذاته للملعب التاريخي الشهير لنادي أرسنال الذي احتضن أمجاده بين عامي 1913 و2006. وعلى الرغم من أن هذا التشابه يرجع لصدفة محض تتعلق باسم الطريق المجاور للملعب، إلا أن تفاصيل الملعب الحالي أظهرت تبايناً هائلاً مع المنشآت الحديثة؛ حيث لا تتجاوز سعة الملعب الصغير 5300 متفرج ويضم 4 مواقف فقط للسيارات، مما اضطر مسؤولي أرسنال للبحث عن مواقف في شوارع البلدة وفق تقارير صحفية بريطانية.
وتقع بلدة فليتوود في شمال غرب إنجليزية، ويبلغ عدد سكانها نحو 26 ألف نسمة فقط، وتشتهر تاريخياً بصناعة أقراص "فيشرمنز فريند" واقتصاد صيد الأسماك. ويحمل الفريق لقب "الصيادون" فيما يُعرف مشجعوه بـ "جيش سمك القد". وقد شهدت هذه المباراة بيع جميع تذاكر stadium بالكامل لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمان، حيث تحولت مدرجات هايبري الصغير إلى عرش للاحتفالات بعد إطلاق صافرة النهاية.
محطات تاريخية.. من حاضنة جيمي فاردي إلى أزمات الملكية
ولم يكن هذا النادي غريباً عن كتابة القصص الملهمة في الكرة الإنجليزية، فهو النادي الذي شهد انطلاقة النجم الإنجليزي الشهير جيمي فاردي مهاجم ليستر سيتي السابق. وكان فاردي قد لعب موسماً استثنائياً مع فليتوود تاون ساهم خلاله في صعود الفريق من دوريات الهواة إلى دوري المحترفين، قبل انتقاله في عام 2012 إلى ليستر سيتي مقابل 1.3 مليون دولار، في صفقة ظلت لسنوات طويلة الأغلى للاعب قادم من خارج دوري المحترفين الإنجليزي.
وعلى الصعيد الإداري، مر النادي بتحولات قاسية؛ إذ تعرض مالكه السابق أندي بيلي لحكم بالسجن لمدة 13 عاماً في عام 2023 بعد إدانته بتهم احتيال متعلقة بعقود الطاقة، وذلك بعدما كان قد استثمر أكثر من 13 مليون دولار لتطوير منشآت النادي وإعادة بناء الملعب. ونجح النادي تحت إدارة ابنه جيمي بيلي الذي تولى المسؤولية في مايو 2024 في تجاوز تبعات الإدانة القضائية والاستقرار مجدداً، بعد مسيرة تضمنت تحقيق 6 ترقيات خلال 10 مواسم وصولاً للدرجات الاحترافية.
مشاعر مات لولور وواقع التنافس في دوري الدرجة الرابعة
وعقب نهاية المباراة، عبّر مات لولور المدير الفني لفريق فليتوود تاون، والبالغ من العمر 38 عاماً، عن مشاعره الجياشة بعد هذا الإنجاز الكبير الذي حققه في بداية مسيرته التدريبية، حيث تولى المهمة بشكل دائم في مارس الماضي فقط. وأكد لولور المنتمي للمنطقة ذاتها أنه بذل جهداً كبيراً لتمالك نفسه وعدم البكاء أمام عائلته وجماهير البلدة التي نشأ بين أفرادها، مشيراً إلى أن هذه اللحظات تعيد لكرة القدم جوهرها وشغفها الحقيقي بعيداً عن البرود والمادية.
ورغم هذه الفرحة العارمة والإنجاز التاريخي في بطولة كأس الرابطة الإنجليزية، يواجه فليتوود تاون تحديات صعبة في منافسات الدوري المحلي، حيث يحتل المركز 18 في جدول ترتيب دوري الدرجة الرابعة (ليغ تو) من أصل 24 فريقاً، متواجداً بالقرب من مناطق الهبوط بعد تحقيقه انتصاراً واحداً فقط في آخر 8 مباريات. ويسعى الفريق لنقل هذه الروح والمعنويات العالية إلى مباراته القادمة ضد بريستول روفرز لاستعادة النغمة الإيجابية في السلم المحلي.