في تطور يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، كشفت مصادر عسكرية سورية ومسؤول أمريكي كبير لوكالة بوابة الشروق عن تقديم سوريا دعماً عسكرياً للسعودية في مواجهة هجمات جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران. ويشمل هذا الدعم تقديم المشورة والتدريب العسكريين، إضافة إلى إرسال عدد محدود من الأفراد العسكريين إلى المملكة، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في العلاقات بين دمشق والرياض منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في 2024.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه السعودية تصعيداً قتالياً مع الحوثيين منذ يوليو الماضي، عندما اشتعل فتيل الحرب في اليمن مجدداً بسبب الصراع الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط. وقد دفعت هذه الظروف الرياض إلى السعي للحصول على دعم دفاعي وهجومي من مجموعة من الحلفاء، مما جعل التعاون العسكري مع سوريا جزءاً من استراتيجية أوسع لمواجهة التهديدات المتصاعدة.
مهمة تدريبية تمتد من المشورة إلى ما هو أبعد
وفقاً للمسؤول الأمريكي الكبير، فإن مستشارين وفرق تدريب من سوريا، حيث اكتسب المقاتلون خبرة قتالية كبيرة خلال حرب استمرت لسنوات، يتوجهون إلى السعودية للمساعدة في تدريب الوحدات السعودية واليمنية داخل المملكة بهدف تحسين فعاليتها القتالية. وأكد المصدران السوريان المطلعان على المسألة مباشرة أن عشرات الأفراد العسكريين انتقلوا من سوريا إلى السعودية في الأسابيع القليلة الماضية، مشيرين إلى أن المهمة تتضمن تقديم المشورة والتدريب، لكن نطاقها قد يكون أوسع من ذلك.
في المقابل، سارع دبلوماسي سوري كبير إلى النفي، معتبراً أن أي إشارة إلى نشر أفراد عسكريين في هذه المرحلة "سابقة لأوانها"، وأن تركيز سوريا لا يزال منصباً على الأمن الداخلي وحماية حدودها وإعادة الإعمار. وأوضح أن اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين سوريا والسعودية يوم الأربعاء الماضي تتضمن على وجه التحديد الدعم الاستشاري والتدريب وتبادل الخبرات.
الرياض تقدم قراءة مختلفة للتعاون العسكري
من جانبه، قدم مسؤول سعودي كبير لرويترز قراءة مختلفة للتعاون الجاري، مؤكداً أن تبادل الخبرات مع سوريا يهدف "في الأساس إلى إعادة هيكلة القوات السورية لكن هذا لا يعني أن شركاءنا السوريين لا يساعدوننا بخبرتهم القتالية في مواجهة الجماعات المسلحة". وأضاف المسؤول السعودي أن التدريبات المشتركة جارية، وهناك مزيد منها مخطط له في مجالي الأمن والدفاع.
هذا التباين في التصريحات يعكس حساسية الملف، حيث تسعى الرياض إلى تعزيز قدراتها الدفاعية دون إثارة ردود فعل إقليمية، بينما تحاول دمشق إدارة التوقعات حول حجم مشاركتها في الصراع اليمني. وقد وقعت السعودية وسوريا اتفاقية الدفاع يوم الأربعاء خلال زيارة قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في ثاني لقاءاته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أقل من شهر، دون الإعلان عن أي تفاصيل.
واشنطن تحذر دمشق من مخاطر التورط في حرب أوسع
في سياق متصل، كشف المسؤول الأمريكي الكبير أن واشنطن حثت دمشق على التحرك بحذر، مضيفاً أن أي انتشار سوري للمساعدة في الحرب في اليمن ينطوي على خطر توريط البلاد في حرب أوسع نطاقاً في المنطقة، وهو أمر تجنبت سوريا حتى الآن. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تبرز فيه سوريا كحليف وثيق للسعودية والولايات المتحدة منذ الإطاحة بالأسد، حيث يتألف الجيش السوري المعاد تشكيله من معارضين سابقين قاتلوا الأسد لسنوات ومن جماعات مدعومة من إيران ذهبت لمساعدة بشار على مواجهة المعارضة.
وفي تطور موازٍ، صادقت تركيا، الحليف الوثيق لدمشق، أمس الخميس على اتفاقية دفاعية وقعتها باكستان والسعودية وتركيا في أغسطس بمكة المكرمة، مما مهد الطريق لأنقرة لإرسال دعم عسكري إلى الرياض. ويشير هذا التحرك إلى بناء تحالف إقليمي أوسع لمواجهة التهديدات المشتركة، وهو ما أكده الدبلوماسي السوري الكبير بقوله إن الاتفاقية السعودية السورية "قد تتطور لتشمل تعاونا دفاعياً على نطاق أوسع في المستقبل"، مثل اتفاقية مكة.
أبعاد اقتصادية وتمويلات تنموية تعزز الشراكة
إلى جانب التعاون العسكري، تمضي الشراكة السورية السعودية قدماً على الصعيد الاقتصادي، حيث وقع الصندوق السعودي للتنمية ست اتفاقيات مع وزارة المالية السورية يوم الأربعاء لتقديم قروض تنموية بشروط ميسرة تزيد قيمتها عن 403 ملايين دولار لدعم قطاعي التنمية والخدمات في سوريا. وتشكل هذه القروض شريان حياة مهماً لبلد يكافح من أجل إنعاش اقتصاده ويواجه تكاليف إعادة إعمار بمئات المليارات من الدولارات.
وتعكس هذه الاتفاقيات رغبة الرياض في ترسيخ نفوذها في دمشق عبر أدوات اقتصادية وعسكرية، في إطار استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. وقد أشار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في كلمة ألقاها خلال مؤتمر عقد في البحرين إلى أن المناقشات جارية لدراسة انضمام سوريا إلى اتفاقية مكة، مؤكداً أن "سوريا تعتبر أن أمن الخليج العربي جزء من أمنها الإقليمي، وأيضا أمن سوريا هو جزء من أمن الخليج... نقف إلى جانب شعوب الخليج وحكومات الخليج للوقوف في وجه التحديات وفي وجه المليشيات العابرة للحدود".
سيناريوهات المرحلة المقبلة وتداعيات التعاون السوري السعودي
مع استمرار الحوثيين في استهداف المطارات والمنشآت النفطية في السعودية، وشنت المملكة غارات جوية دعماً لحلفائها في اليمن، يبقى السؤال حول مدى تطور التعاون العسكري السوري السعودي. وقد أفادت رويترز في أكتوبر الماضي بأن سوريا تدرس تقديم مساعدة عسكرية للسعودية، وأن الخيارات قيد الدراسة تضم تقديم مساعدة دفاعية لحماية المملكة من الهجمات، أو نشر قوات في إطار هجومي لمساعدة القوات اليمنية المدعومة من السعودية على قتال الحوثيين.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لمدى التزام دمشق بوعودها العسكرية، خاصة مع استمرار الضغوط الأمريكية للتحرك بحذر، وتصاعد التحديات الأمنية في المنطقة. كما أن تطور العلاقات السورية السعودية سيكون له انعكاسات مباشرة على موازين القوى في اليمن، حيث تسعى الحكومة الشرعية إلى تعزيز قدراتها لاستعادة الأراضي التي استولى عليها الحوثيون منذ استئناف الحرب.