يشهد المشهد اليمني تعقيدات سياسية وعسكرية بالغة التعقيد، حيث تتعدد الأطراف الفاعلة في صراع ممتد لأكثر من عقد من الزمن، ألقى بظلاله الثقيلة على استقرار المنطقة بأكملها والأمن القومي العربي والملاحي الدولي في باب المندب والبحر الأحمر. تستعرض هذه القراءة التحليلية المعمقة خارطة القوى المتصارعة وأدوارها المحورية والخفية في تحديد مسار الأزمة الراهنة، مسلطة الضوء على الخلفيات التاريخية والدوافع الاستراتيجية التي تحرك رقعة الشطرنج اليمنية المعقدة.
تطورات الصراع اليمني.. من ثورات الربيع إلى حرب إقليمية ودولية
تطور الصراع في اليمن من مواجهات سياسية محلية ومحدودة النطاق إلى أزمة إقليمية ودولية متشابكة الأطراف، حيث تتقاطع الأجندات السياسية المحلية مع الطموحات الإقليمية والصراعات الجيوسياسية الكبرى، مما جعل من الصعوبة بمكان حصر أطراف النزاع في إطار تقليدي واحد، نظراً لتغير التحالفات السريعة وتداخل الولاءات القبلية والجهوية على الأرض. لقد بدأت فصول هذه المأساة الكبرى مع تعثر مسار التسوية السياسية الانتقالية التي أعقبتالمبادرة الخليجية عام 2011، ليتحول الفراغ السياسي المزعوم إلى حاضنة لانفجار عسكري واسع النطاق أعاد رسم التحالفات والجغرافيا السياسية لليمن بأكمله.
جماعة الحوثي.. السيطرة على العاصمة وطموحات الهيمنة الاستراتيجية
تسيطر جماعة الحوثي بقبضة أمنية وعسكرية محكمة على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة ومكتظة بالسكان في الشمال اليمني، وتُعتبر الطرف الرئيسي والمحوري في مواجهة الحكومة المعترف بها دولياً والتحالف الداعم لها. تعتمد الجماعة في بقائها وتمددها على أيديولوجية دينية متصلبة، وهيكلية تنظيمية شبه عسكرية، إضافة إلى استثمارها الواسع في المناهج التعليمية والإعلام والتعبئة الجماهيرية. وعلى الصعيد الاستراتيجي، نجحت الجماعة في فرض نفسها كقوة إقليمية عبر تطوير ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مستغلة موقع اليمن الجغرافي المطّل على ممرات الملاحة الدولية الحساسة للضغط على الأطراف الإقليمية والدولية، مما جعل أي تسوية مستقبلية رهينة لمدى استعداد هذا الطرف لتقديم تنازلات حقيقية على طاولة المفاوضات.
الحكومة الشرعية.. تحديات إدارة الدولة ومعضلة توحيد الجبهة الداخلية
في المقابل، تقف الحكومة الشرعية، المدعومة جوهرياً من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، متخذة من مدينة عدن الساحلية مقراً مؤقتاً لإدارة مؤسسات الدولة. ورغم استنناد هذه الحكومة إلى الغطاء القانوني والدولي والقرارات الأممية ذات الصلة (مثل القرار 2216)، إلا أنها تواجه تحديات هيكلية جسيمة في توحيد جبهتها الداخلية وتفعيل دور المؤسسات الخدمية والاقتصادية لمواجهة الانهيار المعيشي المروع الذي يعصف بالمواطنين. تعاني الشرعية من تنازع الصلاحيات وتعدد الولاءات العسكرية داخل معسكرها المناهض للحوثيين، مما أضعف قدرتها التفاوضية والميدانية وجعلها في كثير من الأحيان رهينة لتوازنات القوى الإقليمية والمحلية المتصارعة على النفوذ والثروات.
المجلس الانتقالي الجنوبي.. طموحات استعادة الدولة وواقع الشراكة الهشة
يُعد المجلس الانتقالي الجنوبي قوة سياسية وعسكرية فاعلة ووازنة تسيطر سيطرة ميدانية شبه كاملة على أجزاء واسعة من المحافظات الجنوبية، وخصوصاً عدن ولحج الضالع وأبين. يرفع المجلس راية القضية الجنوبية والمطالبة بفك ارتباط الجنوب عن الشمال واستعادة الدولة الجنوبية السابقة كاملة السيادة. ورغم دخوله في اتفاقيات شراكة سياسية وأمنية متعددة مع الحكومة الشرعية (أبرزها اتفاق الرياض)، إلا أن التوتر لا يزال يسود العلاقة بين الطرفين نظراً لتباين الأهداف الاستراتيجية؛ فالشرعية تتمسك بوحدة اليمن وسلامة أراضيه، بينما يصر الانتقالي على تقرير المصير، مما يخلق حالة من الجمود السياسي والدستوري الذي يعرقل جهود بناء مؤسسات الدولة الموحدة.
القوى القبلية والمحلية.. بيضة القبان وميزان القوى الخفي في الميدان
لا يمكن قراءة المشهد اليمني بمعزل عن دور القوى القبلية والمحلية التي تلعب أدواراً متغيرة وحاسمة في مناطق نفوذها التاريخية والجغرافية. تشكل القبيلة اليمنية في كثير من الأحيان "بيضة القبان" في موازين القوى العسكرية والسياسية، نظراً لقدرتها على حشد المقاتلين، وتأمين خطوط الإمداد، أو فرض طوق أمني واجتماعي حول المناطق الاستراتيجية. تتأرجح الولاءات القبلية بحسب المصالح الآنية والتهديدات المباشرة، مما يجعلها متغيرة وغير مضمونة الاستمرار لأي طرف من أطراف الصراع الكبرى، وهو ما يفسر حرص مختلف الأطراف على خطب ود شيوخ القبائل وضمان حيادهم على الأقل في المعارك الفاصلة.
دوافع الصراع الاقتصادية والجيوسياسية.. صراع الموارد والشرعية
إن فهم الطبيعة الحقيقية لهذه الأطراف وتوجهاتها العقائدية والسياسية يعد مفتاحاً أساسياً لقراءة أي تحركات دبلوماسية مستقبلية أو احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية مستدامة. يظل التنافس المحتدم على الموارد الطبيعية (كالنفط والغاز في مأرب وحضرموت وشبوة)، والسيطرة علىالموانئ الحيوية (مثل الحديدة وعدن والمكلا)، والتحكم فيطرق التجارة الدولية، هو المحرك الأساسي والعلّة الخفية لقرارات هذه الأطراف في الميدان. فالصراع في جوهره ليس مجرد نزاع على السلطة السياسية فحسب، بل هو معركة إعادة توزيع ثروات بلد غني بموقعه وثرواته ومفقود باستقراره.
خلاصات استشرافية.. نحو أي مصير يتجه اليمن؟
في الختام، يظل المشهد اليمني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بدءاً من سيناريو التقسيم الفعلي للأمر الواقع، وصولاً إلى تسوية هشة ومؤقتة تؤجل الصراع ولا تحل جذوره العميقة. إن بناء سلام حقيقي ودائم في اليمن يتجاوز مجرد إيقاف إطلاق النار العسكري، ليطال إعادة هيكلة الدولة، وتحقيق عدالة توزيع الثروات، وإنصاف كافة الأطراف المكونة للنسيج الاجتماعي اليمني، بما يضمن سيادة البلاد واستقرارها ويجنب المنطقة مزيداً من الفوضى والدمار.