يشكل الانضباط العام واحترام القوانين الناظمة للحياة اليومية المعيار الحقيقي لمدى تقدم الأمم ووعيها الحضاري. وفي هذا السياق، جاء برنامج «مع شنغين» المذاع على منصة «سوريا الآن» ليفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية تؤرق المجتمعات المعاصرة، وعلى رأسها المجتمع السوري، حول طبيعة العلاقة الرابطة بين المواطن والقانون. لا يقف البرنامج عند حدود رصد المخالفات السطحية، بل يغوص في أعماق البنية السلوكية والنفسية للأفراد، متطرقاً إلى ظواهر يومية مألوفة مثل تجاوز الإشارة الحمراء، وإهمال ارتداء حزام الأمان، والتغاضي عن أبسط قواعد السلامة المرورية والعامة، ليتساءل بجرأة: هل باتت الغرامات المالية والرقابة التكنولوجية الصارمة هي الوسيلة الوحيدة لضبط الشارع، أم أننا أمام أزمة وعي مجتمعي عميقة تتطلب مقاربات شمولية تتجاوز لغة الزجر والعقوبة؟
أزمة الانضباط الظاهري: حين يغيب الرقيب يغيب القانون
تُظهر القراءات الاجتماعية والنفسية لسلوكيات الأفراد في الشارع العام وجود فجوة شاسعة بين ما يُعرف بـ «الانضباط الحقيقي» و«الانضباط الظاهري». ففي كثير من الأحيان، يمتثل السائق أو المارة للإشارات المرورية والقوانين ليس اقتناعاً بأهميتها أو حرصاً على الصالح العام، بل خوفاً من كاميرات المراقبة أو درك المرور والغرامات المالية الباهظة التي تثقل المداخيل. هذه الظاهرة، التي يسلط برنامج «مع شنغين» الضوء عليها بكثافة، تعكس خللاً بنيوياً في منظومة القيم المدنية؛ إذ يتحول القانون من مظلة حمائية تضمن سلامة الجميع إلى عبء خارجي يسعى الفرد للتحايل عليه متى سنحت الفرصة أو غاب العين الرقيبة. إن هذا السلوك يعيد إنتاج ثقافة «الفهلوة» والتحايل على النظام، معتبراً أن ارتكاب المخالفة دون الوقوع في شباك العقوبة هو نوع من الشطارة، متناسين أن هذه التجاوزات البسيطة في ظاهرها تحمل في بطونها تداعيات كارثية على الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، وتكرس حالة من الفوضى المجتمعية غير المعلنة.
حدود الردع المالي: هل تكفي الغرامات وحدها لصناعة مجتمع آمن؟
طرح البرنامج تساؤلاً محورياً يلامس واقع السياسات العقابية المتبعة في تنظيم الشارع، مفاده: هل الكاميرات والغرامات وحدها كفيلة بخلق بيئة آمنة ومنضبطة؟ الإجابة التي يطرحها الخبراء والمحللون النفسيون والاجتماعيون تميل غالباً إلى النفي المطلق. فالردع المالي والعقابي رغم أهميته البالغة في الحد السريع من الفوضى وفرض هيبة الدولة والقانون، إلا أنه يظل علاجاً مؤقتاً لعارض مرض، ولا يهاجم جذور العلّة ذاتها. عندما ترتكز العلاقة بين الفرد والقانون على الخوف البحت من الخسارة المادية، فإن الوعي الحضاري يتراجع، ويصبح الانضباط مرهوناً بمدى صرامة الأجهزة الرقابية وتطورها التقني. وبمجرد حدوث عطل تقني، أو غياب للدورية المرورية، تعود حليمة لعادتها القديمة وتستباح القوانين بلا رادع أخلاقي أو ذاتي. من هنا، يشدد الطرح الإعلامي لبرنامج «مع شنغين» على ضرورة الانتقال التدريجي من مرحلة «الرقابة الخارجية القسرية» إلى مربع «الانضباط الداخلي المستدام»، حيث يصبح الالتزام بالقانون خياراً أخلاقياً ووطنياً نابعاً من إيمان عميق بأن النظام وُصِع لخدمة الإنسان وحمايته لا لتقييد حريته.
المسؤولية المشتركة: شراكة حقيقية بين الفرد والمؤسسات
إن إعادة هندسة الوعي المدني في المجتمعات لا يمكن أن تحقق أهدافها بمعزل عن تضافر الجهود وتوزيع الأدوار بين مختلف شرائح المجتمع ومؤسساته الرسمية والأهلية. لا يُطالب المواطن وحده بتحمل أعباء التغيير السلوكي، بينما تقف المؤسسات عاجزة عن تقديم نموذج قدوة أو توفير البنى التحتية المناسبة. يتطلب الأمر رؤية استراتيجية متكاملة تبدأ من المناهج التعليمية الأولى التي يجب أن تغرس مفاهيم التربية الوطنية والمدنية واحترام النظام كقيمة إنسانية راقية، مروراً بدور دور العبادة ووسائل الإعلام التقليدية والرقمية التي تمتلك قوة تأثير هائلة في تشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو تبني ثقافة السلم الأهلي والنظام. فضلاً عن ذلك، يلعب القضاء والإدارات المحلية دوراً حاسماً في ترسيخ مبدأ سيادة القانون على الجميع دون استثناء، بحيث يشعر المواطن بأن النظام يحميه وأن العقوبة تُطبق بعدالة ودون تمييز، مما يعزز من ثقته بالمنظومة العامة ويحفزه طوعياً على المشاركة الفعالة في حراستها وصيانتها.
نحو ثقافة حضارية جديدة: رؤية استشرافية للشارع السوري
في الختام، يمثل النقاش الذي أثاره برنامج «مع شنغين» عبر منصة «سوريا الآن» نقطة تحول هامة في الخطاب الإعلامي المحلي، حيث انتقل من نقل الخبر المجرد إلى تشخيص الأمراض الاجتماعية والبحث الجاد عن حلول جذرية. إن التحول من ثقافة رد الفعل الخائف إلى المسؤولية المشتركة ليس بالأمر الهين ولا السريع، بل هو مسار نضالي توعوي طويل الأمد يحتاج إلى صبر ومثابرة ومؤسسات قوية واعية بدورها. إن بناء مجتمع تسوده سيادة القانون ويبعث على الطمأنينة يبدأ بخطوة صغيرة يخطوها كل فرد منا داخل نفسه، مقتنعاً بأن احترام إشارة المرور أو حزام الأمان أو أي نظام عام ليس مجرد إذعان لتعليمات حكومية، بل هو تعبير حقيقي عن احترام الذات واحترام الآخرين، وحماية لأرواح أجيال المستقبل وضمانة حقيقية لنهضة مجتمعية لا رجعة فيها.