في ظل الظروف الإنسانية والميدانية القاسية التي يمر بها قطاع غزة، تتكشف يوماً بعد يوم أبعاد جديدة لأزمة متعددة الوجوه، لا تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تمتد لتطال الجانب البيئي والصحي بشكل ينذر بكارثة إنسانية وإيكولوجية طويلة الأمد. فقد أظهرت صور حديثة عالية الجودة التقطتها الأقمار الصناعية تفاصيل دقيقة ومفزعة لحجم التلوث الخطير الذي يضرب مياه بحر غزة وشواطئها الممتدة على البحر الأبيض المتوسط. هذه الصور لم تكن مجرد توثيق بصري لعابر، بل كانت شهادة رقمية دامغة على وقوع كارثة تلوث بيئي واسع النطاق، ناجمة عن التدفق المستمر وغير المنضبط لآلاف الأمتار المكعبة يومياً من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى داخل الحوض المائي البحري، مما حوّل أجزاء واسعة من الساحل إلى بؤرة ملوثة تهدد الكائنات البحرية والإنسان على حد سواء.
انهيار البنية التحتية لقطاع المياه والصرف الصحي
تعود جذور هذه الأزمة البيئية العميقة إلى الانهيار الشامل وشبه التام الذي أصاب البنية التحتية لقطاع المياه والصرف الصحي في مختلف محافظات قطاع غزة. على مدار الأشهر الماضية، تعرضت شبكات المياه الرئيسية والفرعية، ومحطات الضخ، وخزانات التجميع، إضافة إلى محطات التطهير الكبرى، لأضرار بالغة وتدمير ممنهج نتيجة العمليات العسكرية المستمرة والتصعيد الميداني المتواصل. هذا الدمار الواسع لم يترك للسلطات المحلية والبلديات أي خيارات بديلة، حيث خرجت محطات المعالجة عن الخدمة بشكل قسري نتيجة انقطاع التيار الكهربائي المتكرر ونفاد الوقود اللازم لتشغيل مولدات الطوارئ، فضلاً عن استهداف أجزاء واسعة منها بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأمام هذا الواقع المرير، فقدت شبكات الصرف الصحي قدرتها الاستيعابية والتشغيلية، وبدأت مياه الملوثات الآدمية والصناعية تتجمع في الشوارع والطرقات العامة مكونة بركاً آسنة، أو تجد طريقها عبر قنوات تصريف مياه الأمطار والوديان المتاخمة نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط مباشرة، دون أدنى معالجة كيميائية أو بيولوجية. ويمثل هذا التدفق العشوائي والمستمر صدمة هائلة للنظام البيئي الساحلي، حيث تتدفق ملايين اللترات من المياه الملوثة بصفة يومية محملة بالبكتيريا والفيروسات والمواد الكيميائية السامة.
أبعاد الخطر البيئي وتدمير الحياة البحرية
لا يقتصر أثر هذا التلوث الكارثي على المظهر الجمالي أو الرائحة الكريهة للمياه الساحلية، بل يتجاوز ذلك ليطال صميم الحياة البحرية والتوازن الإيكولوجي في مياه غزة. إن دخول آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يومياً يغير الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه البحر، وأبرزها انخفاض حاد في نسب الأكسجين الذائب (Dissolved Oxygen) نتيجة استهلاكه المكثف من قبل البكتيريا المسؤولة عن تحليل المواد العضوية. هذا النقص الحاد في الأكسجين يؤدي حتماً إلى خلق مناطق ميتة (Dead Zones) تعجز فيها الأسماك والكائنات البحرية الأخرى عن التنفس أو البقاء على قيد الحياة.
علاوة على ذلك، تشير التقارير البيئية الأولية إلى أن الثروة السمكية على طول ساحل غزة تواجه خطراً غير مسبوق، حيث تتعرض صغار الأسماك والبيض والرخويات والكائنات القاعية لموجات من النفوق الجماعي. كما أن تراكم المعادن الثقيلة والمواد السامة في أنسجة الأسماك التي تتمكن من البقاء يمثل قنبلة موقوتة، نظراً لأن هذه الأسماك تشكل مصدراً أساسياً للغذاء والبروتين للسكان المحليين، مما يعني انتقال التلوث بشكل مباشر إلى السلسلة الغذائية البشرية وما يتبع ذلك من أمراض تسمم ومشاكل صحية مزمنة.
مخاطر جسيمة على الصحة العامة والأمن المجتمعي
إلى جانب الأضرار البيئية الفادحة، تبرز الأزمة الصحية كأكثر التداعيات إثارة للقلق لدى الهيئات الطبية والمنظمات الدولية والمحلية العاملة في قطاع غزة. إن تلوث مياه البحر والشواطئ يعني بالضرورة حرمان السكان من المتفسح الطبيعي الوحيد المتبقي لهم، والذي كان يشكل متنفساً نفسياً واجتماعياً في ظل الظروف القاسية. والأخطر من ذلك هو استخدام بعض المواطنين لهذه المياه المضطربة في حال انقطاع مياه الشرب، أو الاعتماد على الأسماك الملوثة القادمة من مناطق قريبة من مصارف الصرف الصحي.
- انتشار الأمراض الجلدية الخطيرة والتهابات العين والأذن بين الأطفال والسباحين نتيجة الاحتكاك المباشر بالمياه الملوثة.
- تفشي الأمراض المنقولة مياهياً مثل الكوليرا، التيفوئيد، التهاب الكبد الوبائي (A)، والنزلات المعوية الحادة.
- تلوث المياه الجوفية السطحية القريبة من الشاطئ نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي الراكدة في التربة الرملية الساحلية.
- تراجع مستويات المناعة المجتمعية العامة بسبب تكامل الأزمات الصحية والغذائية والبيئية في آن واحد.
جهود الاستجابة المحدودة وغياب الحلول الجذرية
على الرغم من التحذيرات المتكررة التي أطلقتها سلطة جودة البيئة وبلديات قطاع غزة والمنظمات الأممية ذات الصلة، إلا أن القدرة على التدخل الميداني تظل محدودة للغاية وغير قادرة على مجابهة حجم الكارثة. إن غياب إمدادات الوقود الكافية، وانعدام قطع الغيار اللازمة لصيانة ما تبقى من مضخات ومحطات معالجة، فضلاً عن المخاطر الأمنية المستمرة التي تحول دون وصول فرق الصيانة إلى المواقع المتضررة، كلها عوامل تجعل أي جهود فردية أو إسعافية تقف عاجزة أمام طوفان التلوث المستمر.
وتفتقر الجهات الإنسانية إلى القدرة على تنفيذ مشاريع هندسية كبرى لإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي في ظل استمرار الحصار والقيود المفروضة على إدخال المعدات الثقيلة والأنابيب ومستلزمات البنية التحتية، مما يعني أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور طالما استمرت الأسباب الجذرية للأزمة دون معالجة حقيقية وجريئة.
رؤية استشرافية: نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه
إن المشهد البيئي في غزة اليوم يمثل جرس إنذار أخير للمجتمع الدولي والمنظمات البيئية العالمية بضرورة التحرك الفوري والعاجل قبل فوات الأوان. إن معالجة كارثة تلوث بحر غزة لا يمكن أن تقتصر على البيانات الإدانة أو التقارير الوصفية، بل تتطلب تدخلاً عاجلاً يتضمن تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات المعالجة الجزئية المتبقية، وتوريد مواد التعقيم والمعدات الطارئة لفتح قنوات التصريف الآمن بعيداً عن الشواطئ المكتظة. إن صمت العالم حيال هذه الكارثة الإيكولوجية يعني الحكم على البيئة الساحلية والبحرية في غزة بالدمار الشامل لسنوات طويلة قادمة، وتحويل الشريط الساحلي إلى بيئة طاردة للحياة وخالية من أي مقومات بيئية سليمة للأجيال القادمة.