شهد قطاع التعليم في جمهورية فيتنام الديمقراطية تحولاً جذرياً وغير مسبوق، متجاوزاً المفاهيم التقليدية للعمل الإداري المدرسي، وذلك بفضل استراتيجيات طموحة تتبناها الحكومة الفيتنامية للارتقاء بالبنية التحتية الرقمية في البلاد. وفي قلب هذا المشهد المتسارع، تصدرت مدينة «كان ثو»، الواقعة في دلتا ميكونغ، العناوين الرئيسية بعد تسجيلها إنجازاً تاريخياً تمثل في وصول نسبة تطبيق السجلات المدرسية الرقمية إلى أكثر من 95%. هذا التحول الرقمي القياسي لا يمثل مجرد إنجاز تقني عابر، بل يعكس رؤية استراتيجية شاملة تتبناها وزارة التعليم والتدريب الفيتنامية؛ لدمج التكنولوجيا المتقدمة في صلب المنظومة التربوية، مما يمهد الطريق نحو تأسيس أجيال قادرة على القيادة في عصر الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الرابعة.
جذور التحول الرقمي: استراتيجية فيتنام نحو التعليم الذكي
تأتي القفزة النوعية التي حققتها مدينة «كان ثو» ثمرةً لخطط استراتيجية وطنية طويلة الأجل أطلقتها الحكومة الفيتنامية لرقمنة القطاعات الحيوية كافة، وعلى رأسها قطاع التعليم. عانت المدارس في فيتنام، ل عقود طويلة، من براثن البيروقراطية الورقية الكثيفة؛ حيث كان المعلمون يقضون ساعات طوالاً يومياً في تدوين الدرجات، ومتابعة الحضور والغياب، وإعداد التقارير الإدارية يدوياً، وهو ما كان يأخذ من وقتهم وجهدهم المبذول في العملية التعليمية الأساسية. من هنا، انطلقت توجيهات وزارة التعليم والتدريب الفيتنامية بضرورة التخلص الفوري من الأعباء الإدارية التقليدية عبر إدخال الأنظمة السحابية وقواعد البيانات المركزية، لتكون «كان ثو» هي المختبر الحي والنموذج التطبيقي الأبرز الذي أثبت كفاءة هذه التوجهات على أرض الواقع وبمعدلات إنجاز قياسية.
أبعاد إدارية وبيئية: لماذا السجلات الرقمية؟
لا تقتصر أهمية التحول نحو السجلات المدرسية الرقمية في مدينة «كان ثو» على مجرد توفير المساحات أو تسريع الإجراءات، بل تمتد لتلامس أبعاداً جوهرية تتعلق بكفاءة الأداء المدرسي والتنمية المستدامة. انطلقت المبادرة لتلبي حاجة ملحة تتمثل في خلق بيئة تعليمية ذكية، ويمكن تلخيص الدوافع والأبعاد الأساسية لهذه الخطوة فيما يلي:
- تسهيل الوصول الفوري: تتيح المنظومة الرقمية الجديدة إمكانية الوصول الفوري والآمن إلى البيانات الأكاديمية والتاريخية للطلاب بكغاءة عالية ودون تأخير.
- تعزيز الشفافية المطلقة: تسهم السجلات الإلكترونية في رصد النتائج وتقييم الأداء المدرسي بطريقة تمنع أي تلاعب أو أخطاء بشرية محتملة، مما يعزز الثقة بين المؤسسات التعليمية وأولياء الأمور.
- الاستدامة البيئية: أدى الانتقال الشامل إلى الأنظمة الرقمية إلى تقليص الاعتماد على الأوراق والملفات التقليدية بنسب مذهلة، مما يدعم جهود البلاد في الحفاظ على البيئة وتقليل الانبعاثات والنفايات المكتبية.
- صنع القرار الاستباقي: توفر المنظومة قاعدة بيانات مركزية ومحدثة باستمرار، تتيح لصناع القرار والمسؤولين التربويين رصد المؤشرات واتخاذ تدابير استباقية لتحسين جودة التعليم ومعالجة التحديات فور ظهورها.
التحديات وتجاوزها: كيف نجحت «كان ثو» في تحقيق المستهدفات؟
لم يكن الوصول إلى نسبة 95% في أتمتة السجلات ممكناً لولا تضافر الجهود المجتمعية والمؤسسية في مدينة «كان ثو». واجهت الإدارات التعليمية في البداية تحديات تقنية وثقافية تمثلت في مقاومة التغيير من قبل بعض الكوادر التعليمية الأكبر سناً، فضلاً عن الحاجة الملحة لتدريب آلاف المعلمين والإداريين على استخدام المنصات البرمجية الجديدة بمهارة عالية. ولمواجهة ذلك، أطلقت السلطات المحلية برامج تدريب مكثفة وورش عمل تفاعلية استهدفت تأهيل البنية التحتية الرقمية في المدارس، وتوفير الدعم الفني على مدار الساعة. كما تم تحديث شبكات الإنترنت وشراء أجهزة حاسوب حديثة لضمان استمرارية العمل دون انقطاع، مما خلق ثقافة رقمية جديدة بات فيها المعلم والطالب وولي الأمر يتعاملون بيسر وسلاسة مع التكنولوجيا الحديثة.
التداعيات المستقبلية والآفاق الإقليمية في جنوب شرق آسيا
يُنظر إلى النجاح الباهر الذي حققته مدينة «كان ثو» اليوم باعتباره نموذجاً ريادياً وقاطرة حقيقية تحتذي بها باقي المقاطعات والمحافظات الفيتنامية الأخرى، وسط مساعٍ حكومية لتعميم التجربة على المستوى الوطني بالكامل مع نهاية العام الحالي. ولا يتوقف طموح فيتنام عند حدود الداخل، بل يضع البلاد على مسار تنافسي محتدم في قطاع التكنولوجيا والتعليم الرقمي على مستوى منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان). إن الاستثمار في العقول والبنية التحتية الرقمية للتعليم يعزز من مكانة فيتنام كوجهة إقليمية صاعدة للاقتصاد الرقمي، ويؤكد قدرتها على مواكبة أحدث التطورات العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الضخمة، مما يجعل التجربة مرجعاً دراسياً هاماً للدول الساعية لتحديث منظوماتها التعليمية والإدارية بكفاءة واقتدار.