الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية الانسحاب الأمريكي من العراق مرحلة ما بعد التحالف الدولي: هل يمثل انسحاب القوات الأمريكية استعادة كاملة للسيادة العراقية؟

مرحلة ما بعد التحالف الدولي: هل يمثل انسحاب القوات الأمريكية استعادة كاملة للسيادة العراقية؟

نُشر في: 06 سبتمبر 2026
10:01 م
مُحدّث: منذ 3 أسابيع
مرحلة ما بعد التحالف الدولي: هل يمثل انسحاب القوات الأمريكية استعادة كاملة للسيادة العراقية؟

يقف العراق اليوم أمام منعطف تاريخي وحساس في مساره السياسي والعسكري، حيث تتسارع الخطوات الرسمية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء مهام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على الأراضي العراقية. وبينما تروج الحكومة الاتحادية في بغداد لهذا التحول الإستراتيجي باعتباره إنجازاً سيادياً كبيراً يكرس استعادة الدولة لقرارها الوطني الخالص، يرى نخبة من المراقبين والمحللين الإستراتيجيين أن المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً من مجرد عملية انسحاب عسكري تقليدي. إن هذا المخاض العسكري والسياسي يعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول طبيعة السيادة في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية المعقدة التي تحيط ببلاد الرافدين، مما يفرض قراءة متعمقة في خلفيات هذا الانسحاب وتداعياته المستقبلية على الاستقرار الداخلي والتوازن الإقليمي برمته.

الخلفيات التاريخية والسياق الجيوسياسي لظهور وانسحاب التحالف

تعود جذور الوجود العسكري الأجنبي الحديث في العراق إلى عام 2014، حين تشكل التحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي الذي سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية والسورية مستغلاً هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية. وعلى مدار عقد كامل، لعب التحالف دوراً محورياً في تقديم الدعم الجوي، واللوجستي، والاستخباري، إضافة إلى عمليات التدريب والتجهيز للقوات الأمنية العراقية بمختلف تشكيلاتها. ورغم نجاح هذه الشراكة في تقويض الدولة المزعومة لتنظيم داعش عسكرياً، إلا أن الجدل ظل محتدماً طوال تلك السنوات حول حدود هذا الوجود وامتداداته، حيث اعتبرته قوى سياسية عديدة انتهاكاً مستمراً للسيادة الوطنية، خصوصاً بعد تصاعد وتيرة الاغتيالات والضربات الجوية المتبادلة بين واشنطن وفصائل مسلحة عراقية وإقليمية على الأراضي العراقية، مما جعل مطلب إخراج القوات الأجنبية عنواناً رئيسياً في الخطاب السياسي والشعبي.

تحديات ما بعد الانسحاب: حماية الأجواء والسيادة الجوية

لا يقتصر التحدي الأكبر أمام المؤسسة العسكرية العراقية على مجرد مغادرة القوات الأجنبية الميدانية، بل يمتد ويتبلور في ملفات إستراتيجية بالغة الحساسية تتطلب معالجة فورية ودقيقة. ويأتي في مقدمة هذه التحديات ملف حماية الأجواء وتأمينها بشكل كامل؛ حيث يواجه العراق تحدياً تقنياً وعسكرياً هائلاً في مراقبة مجاله الجوي ضد أي خروقات إقليمية أو دولية محتملة. فمنذ عام 2014، اعتمدت بغداد بشكل كبير على الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر وتقنيات الرصد الحديثة التي يوفرها التحالف الدولي. ومع غياب هذا الدعم التقني المتطور، تجد القوات الجوية العراقية نفسها مطالبة بتسريع برامج التحديث وسد الفجوة التكنولوجية، خصوصاً في ظل الأجواء الإقليمية المشحونة والتوترات المستمرة التي تجعل سماء العراق ممرة مفضلة للعمليات العسكرية العابرة للحدود.

مواجهة التهديدات الإقليمية وسد الفراغ الاستراتيجي

إلى جانب التحدي التقني الجوي، تثار تساؤلات جادة ومشروعة حول قدرة القوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها على سد الفراغ الاستراتيجي المحتمل في المناطق الحدودية والوعرة. فالحدود العراقية مع دول الجوار تشهد تحديات أمنية مركبة، تتراوح بين تسلل العناصر الإرهابية وبقايا التنظيمات المتطرفة، مروراً بعمليات التهريب المنظم، وصولاً إلى تداعيات الصراعات الإقليمية المجاورة. إن التغطية الاستخبارية المستمرة والمراقبة اللحظية كانت لسنوات طويلة من إنجازات الشراكة الاستخبارية مع التحالف. واليوم، بات لزاماً على جهاز الاستخبارات الوطني والقيادات العسكرية الميدانية اعتماد استراتيجيات بديلة تعتمد على الجهد الذاتي، وتكثيف الانتشار الأمني، وتطوير القدرات التقنية المحلية لضمان عدم حدوث أي انهيار أو ثغرة أمنية قد تستغلها التنظيمات الإرهابية لإعادة ترتيب صفوفها.

ملف الفصائل المسلحة وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية

يبرز ملف الفصائل المسلحة كعنصر بالغ التأثير والحساسية في المشهد الأمني والسياسي لمرحلة ما بعد التحالف الدولي. فهذه الفصائل، التي لعبت دوراً بارزاً إلى جانب القوات الأمنية الرسمية في المعارك ضد تنظيم داعش، تمتلك اليوم ثقلاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله. إن انسحاب القوات الأجنبية يطرح تساؤلات معقدة حول مستقبل هيكلية القوات المسلحة العراقية وسبل دمج وتأطير جميع التشكيلات المسلحة تحت مظلة الدولة والقيادة العامة للقوات المسلحة حصراً. إن التجاذب المستمر بين ضرورة حصر السلاح بيد الدولة من جهة، والاحتياجات الأمنية والسياسية للواقع العراقي من جهة أخرى، يضع القرار السياسي العراقي أمام اختبار تاريخي دقيق لإيجاد صيغة توازن تمنع أي تصادم داخلي وتعزز من هيبة الدولة وسيادتها الناجزة.

آفاق المستقبل والسيناريوهات المحتملة للسيادة العراقية

في الختام، إن خطوة إنهاء مهام التحالف الدولي والانسحاب العسكري لا تمثل نهاية المطاف، بل هي بداية لمرحلة جديدة ومخاض عسير تختبر فيه الدولة العراقية جديتها وقدرتها على إدارة شؤونها الأمنية بقرار وطني مستقل وخالٍ من الإملاءات الخارجية. إن نجاح هذه التجربة مرهون بقدرة القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية على تجاوز الانורים الحزبية الضيقة، والتركيز على بناء جيش مهني محترف، وتطوير القدرات الدفاعية الجوية والبرية، وإرساء علاقات خارجية متوازنة تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فاستعادة السيادة الكاملة ليست قراراً ورقياً أو إعلاناً سياسياً عابراً، بل هي مسار متكامل من القوة، الكفاءة، الاستقرار، والقدرة الفاعلة على حماية تراب الوطن وسمائه من أي تهديد محتمل في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

د
💡 اقرأ أيضاً للكاتب د. عبد العزيز الخالدي
لماذا تتنافس القوى العظمى على أرض متجمدة؟ وما علاقة ذلك بأسعار البنزين؟
قراءة المقال
إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

شارك الخبر:
إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار